كتبته: غيداء جمعان
عندما مررتُ بأحد الصفوف المدرسية، لفت انتباهي ركن عُلِّقت فيه أعمال الأطفال الفنية على لوحات صُنعت بعناية. غير أن ما استوقفني لم يكن كثرة الأعمال، بل النمط المتكرر فيها بدقة، وكأنها نُفِّذت من قِبل شخص واحد، مع اختلافات لا تُذكر، رغم عددها الكبير وتكرار الفكرة نفسها من فصل إلى آخر. أثار هذا المشهد تساؤلًا مباشرًا: هل هذا ما نود أن تكون عليه الأعمال الفنية الموقعة بأيدي أطفالنا؟ وهل حققت هذه الأعمال الهدف منها فعلًا؟
أعمال الأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة ليست مجرد رسومات أو تراكيب عشوائية، بل هي وسيلة يعبرون من خلالها عن أفكارهم ومشاعرهم وفهمهم للعالم. ينظر المختصون إلى هذه الأعمال بوصفها نافذة على التطور الإدراكي والعاطفي والاجتماعي، لا معيارًا للحكم على الجمال أو الدقة. ومن هنا، فإن الإشكال لا يكمن في شكل المنتج النهائي، بل في الطريقة التي ننظر بها إلى العمل نفسه: هل نراه نتيجة يجب ضبطها، أم تجربة يجب فهمها؟
كل عمل فني يحمل هدفه الخاص، لكن هذا الهدف لا ينفصل عن صاحبه. وإذا كنا نتحدث عن الفن والفنانين، فإن الطفل هنا هو الفنان، حتى وإن لم يستخدم جميع الأدوات، أو لم يلتزم بالفكرة، أو لم يصل إلى الشكل المتوقع. في تجربته، هو لا يسعى إلى إنتاج نسخة صحيحة، بل إلى اختبار العالم من حوله؛ يجرّب الملمس، ويكتشف أثر اللون، ويلاحظ كيف تتحرك الريشة، ويستخدم أدوات مألوفة بطرق غير مألوفة، فيمزج ويطبع ويشكّل. هذه التفاصيل الصغيرة، التي قد تبدو عابرة، هي في حقيقتها جوهر التعلم، وهي ما يستحق أن ننتبه له ونلاحظه بعناية، بدلًا من تجاوزها بحثًا عن نتيجة «أجمل».
لفهم هذه الأعمال بعمق، لا بد من محاولة رؤية العالم من منظور الطفل. فالطفل لا يرسم ما يراه، بل ما يعرفه، لذلك تأتي رسوماته رمزية، وقد تبدو غير متناسقة أو غير واقعية. فالشمس قد تكون وردية، والشجرة زرقاء، والعناصر قد تبدو معلّقة أو منفصلة، ليس لقصور في التنفيذ، بل لأن إدراك العلاقات المكانية لا يزال في طور التشكل. الرسم هنا ليس صورة، بل قصة؛ كل خط فيه هو محاولة لتنظيم الخبرة، وكل لون هو تعبير عن معنى. ولهذا، فإن التعامل مع هذه الرسومات يتطلب صبرًا وفضولًا: أن نلاحظ، أن نصغي، وأن ندخل مع الطفل في حوار يكشف لنا ما لا يظهر في الشكل.
ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري إعادة التفكير في الممارسات التي تحوّل الأعمال الفنية إلى نسخ متشابهة. إن استنساخ الأعمال، أو تعديلها بعد تنفيذ الطفل، أو تقديم نماذج جاهزة للمحاكاة، يفقد التجربة قيمتها، ويحوّل الفن من مساحة اكتشاف إلى مهمة تنفيذ. نحن لا نريد منتجًا فنيًا جاهزًا، بل نريد أن يتعلم الطفل كيف يعيش الفن، وكيف يستمتع برحلته، بكل ما تحمله من تساؤل وتجريب وخطأ.
هذا لا يعني إلغاء دور التوجيه أو المفاهيم الفنية، بل إعادة وضعها في سياقها الصحيح. يمكن تقديم مفاهيم عامة بشكل متدرج، مثل التعرف على الألوان أو التناسق، بما يسهم في تنمية الحس الفني، لكن دون أن تتحول إلى قوالب ملزمة. فالأصل أن يحتفظ الطفل بحرية التنفيذ، وأن يكون العمل مناسبًا لمرحلته العمرية وقدراته، بحيث يظل تحت سيطرته، لا تحت سيطرة توقعاتنا. ومن هنا، فإن تنويع المواد والأدوات وإتاحة الوقت الكافي للتجربة ليس ترفًا، بل شرط أساسي لحدوث التعلم الحقيقي، كما أن تعريض الطفل لأعمال فنية متنوعة يوسّع أفقه دون أن يقيّده.
وعندما نغيّر زاوية النظر من التقييم إلى التقدير، تتغير أيضًا استجاباتنا. بدلًا من السؤال: «هل العمل جميل؟» يصبح السؤال: «ماذا تعلّم الطفل هنا؟ وأين يظهر تقدّمه؟» الانتباه للجوانب التي أتقنها الطفل، وللتفاصيل التي اختارها بنفسه، يكشف عن تطور حقيقي قد لا يظهر في الشكل العام. فالقيمة لا تكمن في مطابقة نموذج، بل في الأثر الذي تركته التجربة في الطفل.
في النهاية، من اللحظة التي نقدّم فيها الفكرة أو الأدوات، يصبح العمل ملكًا للطفل. ولا ينبغي أن نقلق من عدم مثاليته، لأن مثاليته ليست هي الهدف. القيمة الحقيقية تكمن في التجربة ذاتها: في دهشة الاكتشاف، وفي حرية التعبير، وفي تلك العلاقة التي تتشكل بين الطفل والفن بوصفه مساحة شخصية يقول فيها شيئًا يخصه وحده.
إضاءات:
“Each child’s art development follows a universal pattern but each child’s creations are unique. When we understand something of the unfolding of this pattern (the stages) we are better able to help and encourage at each stage.” Pennie Brownlee, Magic Places, 1991
«يتبع التطور الفني لكل طفل نمطًا عالميًا مشتركًا، لكن إبداعات كل طفل تظل فريدة. وعندما نفهم شيئًا من كيفية تَكشّف هذا النمط (المراحل)، نكون أقدر على المساعدة والتشجيع في كل مرحلة.»
بيني براونلي، أماكن سحرية، 1991

