كتبته: غيداء جمعان
في البيت، للأم قوانين واضحة مع طفلها. مواعيد للنوم، حدود للحلوى، طريقة معيّنة للكلام والطلب. ليست قوانين قاسية، لكنها متفق عليها، ومبنية على ما تراه أصلح له. يمضي الوقت داخل هذا الإطار بهدوء نسبي، إلى أن تأتي أول زيارة عائلية.
في بيت الجدّة، تتبدّل الصورة سريعًا. قطعة حلوى قبل الغداء، سهر أطول من المعتاد، تجاهل لبعض القواعد «لأنها زيارة» ، وابتسامة دافئة تسبق كل تجاوز. الطفل يلتقط هذا الاختلاف بلا مقاومة، بل بارتياح، وكأن عالمين مختلفين فُتحا له في يوم واحد.
تعود الأم إلى بيتها ومعها شعور مربك لا يتعلق بالحلوى ولا بالسهر بحد ذاتهما، بل بسؤال أعمق يتسلل بهدوء: هل ما زالت كلمتها هي المرجع؟ هل بدأت قوانينها تفقد معناها؟ وهل تكرار هذه المشاهد قد يضعف علاقتها بتوجيه طفلها؟
هذا القلق لا يأتي من موقف واحد، بل من تراكم مشاهد مشابهة تتكرر مع الأقارب، ثم مع المدرسة، ثم مع العالم الأوسع. قلق لا يُقال غالبًا بصوت عالٍ، لكنه حاضر في داخل كثير من الأمهات، خاصة حين يشعرن أن ما يبنينه بصبر داخل البيت يبدو هشًا أمام اختلاف التوجيهات خارجه.
فهل نقرأ اختلاف التوجيهات باعتباره تهديدًا لعلاقة الأم والطفل، أم كظاهرة طبيعية في حياة طفل يتشكّل وسط أكثر من صوت؟
اختلاف التوجيهات التي يتعرّض لها الطفل أمرٌ طبيعيٌّ وحتميّ، فالطفل لا يعيش داخل نظامٍ توجيهيٍّ واحد. وإن لم يختبر هذا التباين داخل العائلة الممتدة، من جدّاتٍ وخالاتٍ وأقارب، فسيجده حتمًا في محيطه الأوسع: في المدرسة، مع الأصدقاء، من توجيهات المعلّمين، أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي. هذا التعدّد ليس خللًا تربويًا ولا علامة فشل، بل هو جزءٌ من طبيعة الحياة.
حتى نحن الكبار نمرّ بتجربة مشابهة. كثير من المبادئ التي نُسلّم بثباتها قد يعاد تشكيلها مع الزمن، إما عبر التجربة أو الاحتكاك بالآخرين أو التأثر بالمحيط العام. وإذا كان هذا يحدث للبالغين، فمن الطبيعي أن يحدث لطفل ما يزال في طور فهم العالم، ولا يملك بعد أدوات التمييز أو الحكم.
الطفل بطبيعته كائن لين، قابل للتشكّل والتأثر. فهمه للمحبة في مراحله الأولى يكون بسيطًا ومباشرًا، مرتبطًا بالإشباع الآني أكثر من ارتباطه بالمعنى. لذلك قد يختبر حيرة من نوع: من يحبني أكثر؟ جدّتي التي تمنحني الحلوى أم أمّي التي تمنعني عنها؟ في هذه المرحلة لا يستطيع الطفل التفريق بين الحب بوصفه عاطفة، وبين المعرفة بالأصلح بوصفها مسؤولية.
ولهذا لا يمكن في الأعمار الصغيرة ترجيح طرف على آخر. الجدة والأم كلتاهما تحبان الطفل، والاختلاف لا يكمن في مقدار الحب، بل في الدور. إدراك هذا الفارق يخفف من صراع الأم الداخلي، ويمنع تحويل اختلاف الأساليب إلى مواجهة مستمرة.
إذا كان هذا هو واقع الطفل، وهذا هو مستوى إدراكه، فمحاولة التحكم في كل الأصوات من حوله تبدو خيارًا مرهقًا، وربما مستحيلًا. والطفل سيلتقي بأصوات مختلفة مهما حاولنا تضييق الدائرة.
السؤال الأهم ليس كيف نُوحّد كل الأصوات من حول الطفل، بل من أين يبدأ الدور الحقيقي لمن يشكّل مرجعيته الأساسية؟
العلاقة الأساسية بين الأم والطفل لا تمنع تأثر الطفل بتوجيهات الآخرين أو قوانينهم، لكنها تمنع أن يتحول هذا التأثر إلى نمط ثابت أو مسار دائم. العلاقة الآمنة والمتزنة تعمل كمرجع داخلي يعود إليه الطفل، مهما تعددت التجارب من حوله، ومهما اختلفت الرسائل التي تصله.
من هنا، تأتي المرونة لا بوصفها تنازلًا عن القيم، ولا تخليًا عن الحدود، بل كقدرة على إدارة المواقف اليومية دون توتر أو شدّ. الأم الهادئة أكثر قدرة على التأثير من الأم المتشددة، لأن الأمان العاطفي هو ما يجعل الطفل يصغي، ويطمئن، ويعود، لا كثرة التوجيه ولا شدّة المنع.
كثير من المخالفات اليومية التي تُقرأ على أنها خرق للقواعد — ما لم تكن متصلة بقيم كبرى أو سلوكيات أخلاقية — ليست في حقيقتها انهيارًا للنظام ولا بداية لانفلات السلوك. هي أحداث عابرة داخل سياق أوسع، وغالبًا ما تُحمّل قلقًا أكبر من حجمها الفعلي، حين تُقرأ بمعزل عن العلاقة التي تحتويها.
في هذا السياق، يظل استقرار الأم الداخلي العامل الأعمق أثرًا. ما يحفظ هدوء الأم ويمنحها اتزانًا نفسيًا هو ما يخدم الطفل والعلاقة معًا. الصراع الخارجي أقل خطرًا من اضطراب الداخل، وما يُدار بهدوء اليوم يُرسّخ غدًا دون ضجيج.
ومع اتساع عالم الطفل، لا بد من إدراك أن ليس كل من يحيط به يحمل المبادئ ذاتها التي نسعى لترسيخها. كثيرون لم تتوفر لهم فرص التربية الواعية، أو لم يسمح لهم زمنهم بما نطمح إليه اليوم. اختلافهم لا يعني بالضرورة إفسادًا متعمدًا، وفهم هذا الواقع يخفف الاحتقان ويمنح التربية سعة وحكمة.
في النهاية، العلاقة المتزنة لا تعني غياب الصراع، بل تعني القدرة على العودة بعده. وكلما كانت العلاقة بين الأم والطفل وثيقة، مراعية، ومتزنة، كانت العودة إلى النظام المتفق عليه أسهل، وأكثر ثباتًا، وأقل كلفة على الطرفين.

