كتبته: غيداء جمعان
في زحمة الدفاع عن «الانضباط» و«الجدّية» في التعليم، وجدنا أنفسنا من غير أن نشعر نؤمن بأسلوبٍ تقليديٍّ مُتعب: تعليمٌ مُقنّن للأطفال، صارمٌ في التعامل معهم، يضع الكبار في مركز العملية، ويجرّد الطفل من قدرته الطبيعية على قيادة تعلّمه.
مع هذا الأسلوب، فقدنا شيئًا أعمق من مجرد متعة وقت التعلُّم؛ فقدنا القدرة على أن نفهم فعلًا: كيف يتعلّم الأطفال؟
كيف يستمتعون بالتعلّم؟
وكيف يمكنهم هم أن يقودوا النشاط، ويُسيّروا التجربة، ويحققوا أهدافها بأقل تدخل منّا، بل ويستمتعون بكل ذلك في الوقت نفسه؟
ربما من شدّة ما تعلّمنا نحن الكبار «كيف يجب أن يُدار وقت الطفل ثانية بثانية»، فقدنا القدرة على الاستمتاع بالطفولة حتى ونحن في وسط الأطفال.
صرنا نطارد فائدة محققة وهدفًا واضحًا في كل دقيقة، لكن كما نراه نحن، ليس من منظور الطفل، ولا ينطلق من احتياجاته الحقيقية.
قوانين في كل حركة، وتوجيهات على أصغر التفاصيل، وتصحيح مستمر لكل محاولة مختلفة.
بينما ترك مساحة للطفل ليستوعب مكانه ويختبره بنفسه ويكتشف حدوده، قد يحقق أهدافًا تربوية وتعليمية تفوق ما خططناه، دون أن يعني ذلك تعريض سلامته للخطر أو تركه للفوضى.
مناهج معاصرة لم تُجرَّب كما ينبغي:
العودة إلى مناهج مثل:
مالاقوزي، ريجيو إميليا، منتسوري…
ليست ترفًا ثقافيًا، بل دعوة لتجريب ما قيل سابقًا وخلق ما يجب أن يكون لأطفال هذا العصر، حتى إن لم يُكتب عنه بعد.
هذه المناهج، مهما اختلفت تفاصيلها، تشترك في فكرة جوهرية:
- الطفل فاعل لا متلقٍّ.
- البيئة «معلّم ثالث» يشارك في تشكيل التجربة.
- التعلّم عملية متولّدة من الطفل، لا مُلقَّنة عليه خطوة بخطوة.
نعيش اليوم مع جيلٍ لم يُدرس بعد بصورة موسّعة وعميقة كما يستحق.
جيل يومه ممزوج بالتقنية، وتجاربه سريعة، وحواسه مفتوحة على عوالم عديدة في وقت واحد.
جيل يتعلّم بصريًا، سريعًا، عبر التجريب، ويحتاج إلى بيئات تعليم تراعي هذا الإيقاع دون أن تسحق طفولته. هذا الفهم هو ما يدفعنا إلى تصميم بيئات تحتضن الأطفال ولا تقيدهم، تفهمهم ولا تعيد إنتاج ما سبق وكان، حتى لو اعتُبر «صحيحًا» أو «مناسبًا» في زمن آخر.
ماذا يحدث حين نقلّل التوجيه فعلًا؟
تقليل التوجيه لا يعني الغياب، بل يعني أن نعمل بذكاء في الخلفية بدل أن نحتلّ الواجهة طوال الوقت.عندما نهيّئ البيئة جيدًا، ونترك مساحة حقيقية للطفل، يحدث التالي غالبًا:
- يرتفع مستوى التعلّم العميق؛ الطفل يفهم «كيف وصل» لا فقط «ما النتيجة».
- تزداد روح التعاون؛ لأن الأطفال يلتفتون لبعضهم لا فقط للمربي.
- ينشأ تفكير إبداعي حقيقي؛ الطفل يجرّب ويغيّر ويخترع حلولًا غير متوقعة.
- ينمو التنظيم الذاتي؛ الطفل يتعلم كيف يضبط نفسه داخل بيئة واضحة، لا كيف يُضبط من خارجها فقط.
ومن جهة المربين، تصبح العلاقة مع الأطفال أقل إرهاقًا وأكثر متعة؛ لأن محاولة ضبط ما لا يمكن ضبطه أصلًا تستنزف الكبار قبل الصغار.
مثال من الواقع: عندما يقود الطفل النشاط
تخيّل ركنًا بسيطًا في غرفة أطفال:
- طاولة عليها مواد مختلفة: ألوان مائية، أشرطة لاصقة، ورق مقوّى، قصاصات جرائد.
- ثلاثة أطفال يجلسون دون «شرح طويل» من المربية، فقط إشارة أولى:
«اليوم نجرّب أن نصنع شيئًا يعبّر عن صوت المدينة.»
في البداية، قد يسأل طفل: «إيش نسوي بالضبط؟»
تبتسم المربية: «جرّب… فكر: ما شكل صوت المدينة بالنسبة لك؟»
بعد نصف ساعة، نرى:
- طفلًا رسم خطوطًا متداخلة تمثّل الزحمة.
- طفلة لصقت قصاصات على شكل نوافذ مبعثرة.
- ثالثًا استخدم الأشرطة ليصنع «مسارات حركة» على الورق.
النتيجة ليست لوحات متشابهة يمكن تقييمها بقائمة واحدة، لكنها تجارب تعلّم حقيقية.
المربية لم تشرح عشر دقائق، بل راقبت، سألت، وثّقت، وفتحت حوارًا:
«كيف قررت ترسم كذا؟»
«ليش اخترت اللون هذا؟» وهذا بالضبط ما نقصده حين نقول:
الطفل قادر على تسيير النشاط وتحقيق أهداف التعلّم بأقل تدخل من الكبار.
ماذا نحتاج لننتقل لهذا النمط من التعليم؟
بيت أبوان الثقافي الإبداعي للأطفال: مساحة حرة بمعناها الحقيقي
- إيمان حقيقي بأن الطفل يتعلّم من الطفل.
أن نعترف أن العملية التعليمية يمكن أن تسير وتحقق أهدافها – الأكاديمية والحياتية – بأقل قدر من تدخل الكبار. - تهيئة البيئة بشكل دقيق وكامل.
بيئة تراعي حاجات الأطفال، وأساليب لعبهم، وطرق تعلّمهم، وما يمنحهم المتعة والفضول. بيئة مرتبة، غنيّة، واضحة القواعد، ولكن غير خانقة. - تدريب العاملين والمربين من جديد.
إذ ما تزال مخرجات كثير من برامج إعداد المعلمين تميل إلى:- ضبط الأطفال بدل ضبط البيئة.
- التركيز على الأهداف الأكاديمية القابلة للقياس فقط.
- إهمال المهارات الحياتية، والجانب الإبداعي، والمعايير النمائية. ومن هنا، نحن بحاجة إلى تدريب يُعيد تعريف دور المربي من: «مسيّر ومسيطر» إلى «مراقب، موثّق، محاور، ميسّر».
- مناهج وبرامج مكتوبة من الصفر.
تُبنى من البداية على:- التجربة
- الحركة
- اللعب
مستندة إلى أدلة المعايير النمائية لكل فئة عمرية.
- فهم هذا الجيل كما هو، لا كما نتمنى أن يكون.
دراسة إيقاع حياته، وعلاقته بالتقنية، ومستقبله المتغيّر، وحدود انتباهه وطاقته، ثم إعادة تصميم التعليم بناءً على ذلك. - نقل هذه المعرفة لمن هم خارج التخصص.
من الأهالي، والمربين في البيوت، ومقدّمي الرعاية…
فهم جزء أساسي من بيئة الطفل التعليمية.
من هنا جاء الدافع لافتتاح بيت أبوان الثقافي الإبداعي للأطفال.
ورغم أهدافه الكبيرة في: الإلمام بالثقافة وتنمية الإبداع وتقديم تجارب أصيلة للأطفال،إلا أنّ جوهره الأعمق كان أن يكون «مساحة حرة» بمعناها الكامل:
- مكانًا يكون فيه الطفل طفلًا
- يتعلّم بالحركة واللعب
- يشارك في قيادة تجربته
- ويتلقى أقل قدر من التوجيه مع أعلى درجات الأمان والاحتواء
بيت أبوان الثقافي الإبداعي للأطفال ليس وعدًا بالفوضى بل خطوة عملية نحو:
بيئة تعلّم عربية قريبة من واقع الطفل أكثر جرأة في الإيمان بقدرة الطفل على التعلّم، وحقّه في أن يعيش طفولته كاملة وهو يتعلّم.
هذا هو السؤال الذي نتركه مفتوحًا أمام كل من يقرأ:
كيف نعيد تصميم علاقتنا مع الأطفال بحيث لا نكتفي بتعليمهم ماذا يتعلّمون، بل نمنحهم المساحة ليكتشفوا كيف يتعلّمون ومن هم في هذا العالم؟

