كتبته: غيداء جمعان
عندما نفكر نجد أن التحديات جزء من التجربة الإنسانية لأي شي من حولنا، وهي مثل العدسة التي نستطيع من خلالها رؤية و فهم العالم من حولنا وما تمثّله لنا كل قيمة فيه، وتتجاوز ما نسميها “التحديات” كل الحدود فنلتقي بها في كل تجربة نمر بها وعلى مستويات مختلفة :المعّقد منها والبسيط، حتى في تلك الزاوية من حديقتك المنزلية والتي اخترت فيها كل زهرة بعناية حتى ملكت مجموعة متنوعة من الزهور ومختلفة فيما بينها، كل منها تطلبك أن توليها عناية خاصة، مما يعني أنك تبذل جهدًا مختلفًا في العناية بكل واحدة منها ومضاعفًا في بعضها، فهناك زهرة تنمو بسهولة وتتحمل الظروف المختلفة أكثر من غيرها، وأخرى تسألك ريها وتقليمها بانتظام تحفيزًا لنموها، وأخيرة تحتاج إلى القليل من الماء والضوء وحد أدنى من الرعاية ؛لتزهر في وسطك.
هكذا المجموعة من الأطفال بين يدي راع واحد يشبهون مجموعة تلك الزهور، رغم الاختلاف الذي يحيط بطبيعة البشر في تفاعلهم مع بعضهم ،فنعي ذلك الجهد المبذول في احتواء الطفل في وسط مجموعة أخرى لها احتياجات مختلفة أيضًا، ودون إغفال أن لنا في وسطهم كذلك حقًّا على أنفسنا.
وعلى ذلك لكل راع وطفل سردية خاصة بهما، تصف ترابطهما في إطار علاقتهما مع بعضهما؛ ومن هنا تنساب الحلول المتوائمة والمراعية للتحديات التي لاقاها أحدهما بالآخر -الراعي والطفل-. بعيدًا عن تلك الحلول المعلّبة المكتوبة في نقاطٍ متتالية توزع مجانًا على الجميع.
ما أميل لطرحه هنا هو كيف نستوعب وجود تلك الزهرة المختلفة عن البقية الأخرى في المجموعة ،والتي يستوجب رعايتَها بذلُ المزيد من العطاء لأجلها ولأجلنا أيضًا؟
أعني كيف نستوعب وجود ذلك الطفل بين مجموعة من الأطفال؟
دعنا نتاول الموضوع من جانب الطفل المختلف وعلاقته ببقية الأطفال ، ومن علاقة الطفل بالراعي:
أولًا: هنا دعوة للقبول أنك كراع من الطبيعي لو أنك تمنيت أن كل الزهرات كتلك التي تتلقف جهدك وتعيد مبكرا طرحه ثمرًا يانعًا بأقل جهد منك أو بالجهد اليسير المطلوب ،إن مضاعفة العطاء لطفل واحد ومحاباته في وسط مجموعة أمرٌ ليس بالسهل ولا يقف هنا، يمتد أحيانًا لتجد نفسك كراع أمام مأزق الشك بجدارتك عند الحاجة لخفض تحدياتك واصطدامك مع الطفل نفسه بشكل يومي.
ودون الحديث عن الحلول -لأنها كما سبق ذكرها هي خاصة بكل طفل والطفل ذاته مع الراعي- لكني أعتقد بالمطلق أن أجزل الهبات أن نجد من يتقبلنا في الجانب العسير منا ،ويتلقفه منا بنفس الإستبشار والحفاوة عندما يلمس الجانب المضييء فينا، وطالما كنا أمام الطفولة فهذا من أجزل ما نعطيه ونعمل عليه.
الاختلاف أصل أصيل في الكيانات البشرية ،وهو ثروة نسعى من خلالها في سبيل توسيع الأرضية المُشتركة التي يشترط إيجادها:
أولًا: الاعتراف بالمختلفين وتفهّمهم وتقبلهم، فوجود طفل مختلف – بغض النظر عن وصف ذلك الاختلاف – يعزز من مهارات المجموعة الباقية كاملة :مرة على مستوى النقاشات المتنوعة التي تصبح مركز الحديث في المجموعة ؛وهذا يشجع الأطفال على التفكير النقدي وتوسيع آفاقهم ، فهنا مكان لطرح المشكلات وحلها وإدارتها ،وتأسيسًا على ذلك قد يكون التعرض لتجارب أطفال مختلفين يساعد على تطوير التعاطف وفهم وجهات نظر مختلفة من الآخرين.
ومرة يكون وجود مثل هذه التحديات التي يواجهها الأطفال بين بعضهم فرصة ثرية تعزز فهمهم لقضايا ،مثل :العدالة ، الثواب ، أثر التعاون وغيرها الكثير، وهذا ما يعين على أن يصبح الطفل مواطنًا واعيًا ؛ لأن هذا التفاعل مع شخصيات مختلفة يعزز مهارات التواصل ؛ مما يعدّهم على الاندماج والعمل في بيئات متنوعة في المستقبل.
حتى الطفل الذي نتحدث عن اختلافه لا بد وأن يكون له جانب محدد يبرع فيه، إما بجزء أصيل من تكوينه كمهاراته البدنية وأسلوب حركته النشط – مثلًا- وهو ما قد يوافق أن يحدده الراعي كنقطة اختلاف عن باقي المجموعة ؛وعلى أثر ذلك يصب الراعي التركيز عليه أكثر لمحاولة إعادة دمجه واحتواء تفضيلاته خلال النشاط وسط المجموعة؛ فيلمس الأطفال تلك الالتفاتة المتكررة من الراعي للطفل والتي يحاولون فهم أسبابها، فمرة يسجلونها كعلامة إخفاق ضده ،ومرة كامتياز يحظى به صديقهم.
وهم كذلك يستطيعون تمييز أثره عندما يخلق فرصة لألعاب بدنية مبتكرة نابعة من فورة نشاطه الحركي، وقد يقترن نشاطه الحركي بقدرته على تعزيز التفاعل الاجتماعي بين الأطفال ويصبح هو مركز التفاعل ، وربما يحفز بقية الأطفال على تعلم وتعليم المسؤولية لدفعه وإعانته على المساعدة على الالتزام.
في كلا الحالتين : رصد الأطفال لصفة مختلفة في صديقهم أو ملاحظة زيادة تركيز الراعي عليه تجعل الطفل غالبًا مصدر تحدّ مهم لأقرانه، فيحب بقية الأطفال أن يخوضوا التحدي مع ذلك الطفل لإيجاد نقاط مشتركة فيما بينهم ،وهذه متعة بالتواصل والتفاعل يبحث عنها الصغار في علاقاتهم تمامًا مثلما يفعل الكبار.
فما نسميه تحدّيًا يسترعي المواجهة والضبط قد يكون للأطفال كذلك تحدّيًا من نوع مختلف ذي أثر إيجابي وفرصة مثرية للنمو، تتضاعف قيمتها ويتمدد أثرها إذا أتقن الراعي إدارة واحتواء تلك التحديات بنوعيها : ما يجده بين نفسه و الطفل، وما يلاحظه بين الأطفال مع بعضهم البعض.
وعلى كل الأحوال إن كنت سجلت خبرة حول ما تحدثنا عنه ،أو سألت أحد زملاء المهنة من المتخصصين أو رفقاء الرحلة في المهمة من الأبوين سنجد أو ستجد أنه عالق في وجدانهم طفلًا سألهم الحب والرعاية، والوقت، والجهد، والمهارة أكثر من بقية أقرانه خلال فترة تواجدهم مع بعضهم.
وأن تبقى عالقة بذهنك ذكرى طفل مرّ عليك يعني أنه أحدث أثرًا، و بصرف النظر عن ماهيته لطالما كان الفاعل طفلًا سيمكنك أن تجد الطيب من ذلك الأثر:كصعوبات معه علمتك أن تقوي مهاراتك، أو إيماءة منه مضحكة هزمت غضبك، أو تعبيرًا عنه أصاب لُب قلبك ..وغيرها الكثير.
وتحت القاعدة الحياتية التي تقول: أن ما تستثمر فيه أكثر سترى أثرًا وتأثيرًا أكبر من خلاله سيكون بنهاية العام أو الفترة ذلك الطفل أكثر المتأثرين بك ،حتى إن لم تلحظ ذلك بشكلٍ جلي وواضح، كون المهارات تأخذ وقتًا كافيًا في التطوير، والتغيير بذاته عملية بطيئة، لكن تأكد أن الأثر حدث وأوله في نفسك كراع.
إضاءات:
- استعملت كلمة (الراعي ) تعريبًا لكلمة (care taker).
- احتفظ بهذا المقال ليظل ذكرى لمن اقتسمت معه قصته في الواقع ثم المقال، مَن سألني يومًا ما معنى اسمي؟ وأجبته :تصغير زهر، وما رأيت أبيات الشاعر بدوي الجبل إلا وصفًا يليق به وبابتسامته:
وسِيمًا من الأطفالِ لولاهُ لم أَخَفْ
على الشّيبِ أنْ أنأى وأنْ أَتَغَربا
تَوَدُّ النجومُ الزُّهرُ لو أنها دُمَى
ليَختار منها المُترفاتِ، ويَلعَبا !
وعندي كنوزٌ من حنانٍ ورحمةٍ
نَعيمي أنْ يُغرى بهنَّ ويَنهَبا
وأُوثر أن يَروى ويَشبع ناعماً
وأَظمأُ في النُّعمى عليهِ وأَسغبا
وأَلثِمُ في داجٍ من الخَطْب ثَغرَهُ
فأقطِفُ منه كوكبًا ثم كوكبا