من مراعاة الموظف إلى أمان الطفل: بدايات الكفاءات في بيئات الطفولة

كتبته: غيداء جمعان

في كل مرة نفتح باب التوظيف في بيئات الطفولة، تتكرر ظاهرة لافتة: موظفون يبدأون التجربة ثم ينسحبون مبكرًا، أحيانًا خلال الأسبوع الأول، وأحيانًا قبل أن تستقر أقدامهم في المكان. لحظات قصيرة، لكنها كافية لتكوين انطباع حاسم عن الذات وعن البيئة. هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: ماذا يواجه الموظف فعلًا في بداياته؟

نعترف ابتداءً أن الدخول إلى أي تجربة مهنية جديدة يحمل قدرًا من الضغط النفسي، حتى حين تكون الرغبة حاضرة والشغف صادقًا؛ فلكل عمل نصيبه من الجهد، وخصائصه التي تفرض هذا الضغط بطبيعتها. البدايات غالبًا ما تكون مربكة، تتقاطع فيها التوقعات مع الواقع، وتظهر الفجوة بين ما تعلّمناه وما نمارسه فعليًا. وحتى حين ينبثق العمل من شغف حقيقي، لا يلبث هذا الشغف أن يدخل إلى إيقاع العمل اليومي، وما يصاحبه من مسؤوليات ومتطلبات وتنظيم وإدارة، ليظل العمل شاقًا حيثما كان.

لكن، وبما أننا لا نملك تغيير طبيعة العمل الشاقة، فإن ما نملكه حقاً هو صناعة البيئة التي تعامل الآخرين بإحسان؛ وفق ما تمليه علينا أخلاقنا وما تنص عليه عقودنا. هذا الإحسان لا يلغي احتمال تعثر الموظف أو تأخره في استيعاب موضعه في منظومة العمل، وهنا يبرز دورنا في معاملته كما لو أننا نعلم طفلاً خطواته الأولى. ولا نسقط هذا المثال لمجرد أننا نعمل في مجال الطفولة، بل لأن احتواء الموظف في أيامه الأولى يشبه تماماً الانتباه لتلك العثرات التي قد تعرقل سير من يتعلم المشي لأول مرة.

إننا بحاجة لترسيخ مفهوم جوهري في بيئاتنا؛ وهو أن الخطأ في البداية ليس «فشلاً» يجب التحذير منه، بل هو جزء أصيل ومؤشر طبيعي لعملية النمو المهني. فالموظف الذي يجد مساحة آمنة للتعثر هو الذي سيبني ثقة حقيقية بقدراته مستقبلاً. وتزداد الحاجة لهذا المفهوم كلما كان الموظف حديث تخرج، يواجه رهبة التجربة للمرة الأولى.

إن الإنصات لتجربته، وتقدير محاولاته لإثبات كفاءته، هو ضرورة مهنية قصوى؛ خاصة حين ندرك طبيعة المكان المختلفة التي يعمل بها، حيث التعامل مع الأطفال بأعداد كبيرة وأعمار متفاوتة في وقت واحد. وإعطاؤه ما يطمئنه ويعينه على فهم «بوصلة أدائه» هو في جوهره واجب إنساني يستوعب ذلك الشتات الذي ينتابنا جميعًا في بداياتنا، وتلك الأسئلة القلقة: «هل اخترت التخصص الصحيح؟ هل أنا في المكان المناسب؟»، وفي الوقت نفسه يجعلك أنت المستفيد الأول كمؤسسة.

قد يكون كل ما يحتاجه الموظف هو مساحة لتفكيك تلك المفاهيم التي اختلطت بين فهمه عن نفسه وقدراته، وبين خصائص البيئة التي قد تكون ضاغطة فعلاً. أولى تلك المساحات هي الفهم والاحتواء، ثم تقديم التجربة له بشكل مجزأ؛ كأن يبدأ بعدد أطفال محدد، أو مهام متدرجة، أو تعريض هادئ للفئات العمرية. المقصد هنا هو «تكييف» التجربة الأولى، لا رمي الموظف ليتكيف وحده مع كل الظروف الصعبة بمهامه ومسماه الوظيفي من اليوم الأول.

نحن ندرك أن الصورة النهائية لهذه المهام المجزأة هي«العمل الكامل» المرجو منه، لكن مراعاة إدماج الموظف في البيئة ليست امتيازًا لأحدهم أو هبة، بل هي حق واجب؛ لاسيما وأننا في بيئات الطفولة نعمل مع «عناصر بشرية مباشرة». وهذا يعني أننا نتحرك في وسط غاية في التعقيد؛ فالأطفال أمزجة ورغبات وحاجات تؤثر على تقبلهم للموظف الجديد، وللموظف كذلك خبرات يحاول إسقاطها على الواقع وقد لا تجدي نفعاً؛ لأننا لا نتعامل مع منتج محسوس، بل مع بشر ذوي أنماط سلوكية واستجابات انفعالية متغيرة، تتأثر بالسياق والزمن والعلاقة، ولا يمكن ضبطها أو توقعها بالمنهج نفسه الذي تُدار به العمليات أو المنتجات .

إن خطورة إهمال هذا الاحتواء تتجاوز إحباط الموظف لتصل إلى الطفل نفسه؛ فالموظف المتوتر الذي يشعر بالمراقبة الحادة لا يمكنه منح الأمان للصغار، بل سينتقل هذا القلق بشكل غير واعٍ إلى تفاعله اليومي، مما يفسد «روح المكان» التي بنيت لأجلها المؤسسة. وبمراعاة الموظف، نحمي في الحقيقة جودة الرعاية المقدمة للطفل، ونضمن أن تكون البيئة مكانًا للنمو النفسي السليم للجميع، كبارً وصغارًا.

أما محاولات الصمت، والتظاهر بالصلابة والحزم المبالغ فيه، وتتبع الهفوات لتدوينها في الاجتماعات ظناً أننا بذلك نسيطر على الأمور، فهي محاولة وهمية للضبط وتنافي الطبيعة البشرية. المراعاة لا تعني التساهل أو التفريط، بل تعني التفهم ومحاولة حل «لعبة الإدارة» المعقدة بين الموظف والطفل في بيئة مليئة بالمتغيرات.

وفي النهاية، أنظمة العمل تضمن حق الطرفين عبر فترات التجربة، لكن ما يقع بين البداية والنهاية من شد وجذب مستمر لا يخلق إلا بيئات متوترة تترسب آثارها في نفوس جميع الموظفين.وبيئات الطفولة أو بيئات العمل بشكلٍ عام لا تُدار بالقسوة ولا تُحسَّن برفع سقف التوقعات منذ اليوم الأول. ما يصنع الفرق فعلًا هو ذلك الإدراك الهادئ بأن الإنسان يحتاج وقتًا ليجد موضع قدمه، وأن الطمأنينة ليست رفاهية إدارية بل شرط أساسي لجودة العمل. حين يشعر الموظف أنه مفهوم، لا مُراقَب، يتبدل أداؤه تلقائيًا، وينعكس هذا الاتزان على الطفل مباشرة. عندها فقط يصبح المكان صالحًا للنمو؛ لا لأن الأخطاء اختفت، بل لأن التعامل معها صار أكثر نضجًا، وأكثر إنصافًا للجميع.