كتبته: أصالة كنبيجه
أحد المشاهد التي تخلد في الذاكرة لأطفالنا، هي انتصاراتهم الصغيرة في إتمام مهام بسيطة أو تقديم مبادرات لطيفة، مثل: التربيت على أكتاف إخوتهم أثناء بكائهم، إرجاع المقتنيات إلى مكانها الصحيح، وحتى مساعدتهم لنا بجلب الحاجيات والأغراض، ومع بادرة احتفائنا أو تصفيقنا تتهلل أساريرهم وتستبشر وجوههم.
من هنا تبدأ ممارساتهم وتصرفاتهم الاجتماعية بالتكوّن؛ لتُشكل البذرة الأولى لمفهومي الوعي الاجتماعي والمشاركة الاجتماعية، في نمو مستمر لهذه المفاهيم خلال حياة الأطفال ومختلف التجارب التي يعبرون بها، مما ينعكس على مجتمعاتهم حين يكبرون؛ ليكونوا مواطنين فاعلين يتمتعون بالمسؤولية تجاه تصرفاتهم ويدركون أهمية أدوارهم في دعم محيطهم وبناء مجتمعهم.
الوعي بوجود الآخر
يرتبط الوجود الاجتماعي للطفل في مراحله الأولى بالأبوين؛ إذ يمتلكان الحصة الأكبر من التأثير في وعيه وتصرفاته وتوجيهها، وغالبًا ما نجد الأطفال- بعد صدور أي تصرف منهم- يترقبون ردة فعل الأبوين أو أحدهما؛ حتى يتمكنوا من تقييم هذا التصرف أو السلوك وتحديد مستوى صوابه، في محاولة منهم لفهم العالم، وفهم أثر تصرفاتهم فيه، وهذا ما نطلق عليه بالوعي الاجتماعي الذي يتشكل بناء على فهم الفعل الاجتماعي في إطار منظومة المعنى التي تقدمها الجماعة وهنا نقصد الأسرة بالتحديد ثم الجماعة في مفاهيمها الأوسع مثل :الحي والجيرة ثم المدرسة والمسجد وصولًا إلى المجتمع الأكبر.
فكلما اتصل الطفل بكل تلك الأوساط وتفاعل معها تفاعلا مباشرًا، نضج وعيه الاجتماعي وممارساته بالاستناد إلى موقعه بينهم من جهة ومعانيه الشخصية التي تتشكل عبر المرور بخبراته الذاتية من جهة أخرى.
كل مشاركة اجتماعية للطفل تُعلّمه كيف يتعاطف مع الآخرين ويضع نفسه مكانهم. فيكتشف أن هناك العديد من الأشخاص الذين يعانون من ظروف مختلفة، وأن لديه القدرة على ترك أثر إيجابي فيهم. هذا التعاطف المتنامي يشكل أساسًا قويًا للوعي الاجتماعي، ويدفعه إلى القيام بتصرفات وسلوكات بناءة وداعمة بشكل مستمر.
المشاركة انفتاح على عالم الآخر
إن المسافة التي يقطعها الطفل حتى يستكمل مفهوم المشاركة الاجتماعية لديه ملامحه وأبعاده، تمرّ بعدة محطات يستند فيها على الأبوين أو المربين عمومًا بدءًا من المهام اليومية المنجزة في المنزل وحتى مبادرات التطوع التي يمكن أن يُشارك فيها مع الجيران أو في المدرسة.
هذه الأشكال من المشاركة الاجتماعية، تُسهم في بناء شخصية الطفل وتعزز نضجه النفسي حين يخرج من محدودية احتياجاته الشخصية والفردية إلى الانفتاح على الآخر واحتياجاته ومتطلباته، فتنمو لدى الطفل تباعًا مهارات التعاطف والتفهم والدعم ومساندة الآخرين بناء على فهم تجاربهم واحتياجاتهم، وبالتالي معرفة ما يُمكن أن يقدمه لأجلهم.
إلى جانب أهمية المشاركة الاجتماعية في تطوير المهارات الحياتية للطفل مثل: التواصل والتعاون وحلّ المشكلات، كما أنها تُعزز ثقته بنفسه وتدعمه في بناء علاقات إيجابية مع الآخرين.
إننا كمربين معنيون بمراعاة عدة اعتبارات تستدعي المواءمة بين عمر الطفل ومستوى وعيه الاجتماعي؛ لإذكاء ممارسات المشاركة الاجتماعية لديه، من قبيل:
- إمكانيات الطفل
التوجيه الأمثل للطفل نحو المشاركة الاجتماعية أو المبادرة بالتطوع، تكون مرتبطة بإمكانياته الشخصية والجسدية والعقلية واللغوية والقدرات المتعلقة بها كقدرته على التعلم والحركة والتفكير النقدي والتعبير المناسب عن الأفكار والمشاعر.
- المرحلة النمائية للطفل
تتفاوت قدرات الأطفال وإمكانياتهم حسب المرحلة النمائية والعمرية لهم والخصائص المرتبطة بكل مرحلة و التي تحدد نوعية التفاعلات الاجتماعية التي يستطيع القيام بها، فما قد يقوم به طفل في الرابعة من عمره، مختلف تمامًا عمّا يستطيع فعله طفل في السابعة من عمره.
- درجة النضج الشخصي للطفل
لكل طفل درجة نضج شخصي تمثل رصيده من الخبرات الذاتية، ومركزه بين أفراد العائلة إلى جانب طبيعة التفاعلات الاجتماعية التي سبق له الانخراط فيها وقدرته على التواصل مع الآخرين بفعالية، وشعوره بالمسؤولية تجاههم.
- تحديات الإعاقة
تفرض أنواع معينة من الإعاقة صعوبات عديدة على إمكانيات الطفل وقدرته على مساعدة الآخرين والتواصل معهم إلى جانب قلة فرص المشكلة الاجتماعية المناسبة له، لكن حين نأخذ هذا المحك بعين الاعتبار نستطيع توجيه تركيزنا على إمكانات أخرى لدى الطفل يُمكنه توظيفها لتعزيز خبرته الاجتماعية.
إذن .. كيف أمهّد لطفلي طريق المشاركة الاجتماعية والتأثير في المجتمع؟
- ساعده على فهم فكرة المجتمع بمختلف أبعادها، مجتمع الأسرة، الجيران، المدرسة والأصدقاء، وذلك من خلال توضيح أهمية وجود الإنسان وسط مجتمع يتفاعل معه ويتعاون معه لتلبية الاحتياجات وتحقيق الأهداف الشخصية والاجتماعية.
- أسند إليه بعض المهام المنزلية البسيطة التي يمكن له أن يشاهد أثر إنجازها في أسرته، وفائدتها للمنزل، مثل المساعدة في ترتيب سفرة الطعام، تنظيف وترتيب الغرفة بعد الانتهاء من اللعب، كتابة قائمة باحتياجات المنزل من متجر التسوق، مع حرصك المستمر على شكره والثناء عليه أمام إخوته.
- كن نموذجًا واقعيًا أمامه لما تريد له أن يقوم به، فالأبوان يمثلان قدوة للطفل، يحرص على الاقتداء بها والتطلع لما هي عليه من حال وتصرفات؛ لذا بادر بتقديم المساعدة للآخرين في الأماكن العامة -متى دعت الحاجة- وقدّم له تبريرًا وتوضيحًا لتصرفك حتى يتمكن من تقديره وتقدير القيمة الكامنة خلفه.
- أنشئ حوارًا مفتوحًا مع طفلك حول التحديات البسيطة حولكم سواء كانت في المنزل أو في الحي أو المدرسة، وناقشه في الحلول الممكنة والخيارات المتاحة؛ فذلك يُساعده على تنمية التفكير النقدي والإبداعي في التعامل مع المشكلات.
- قدّم له فرصة المشاركة في الأعمال التطوعية المنظمة التي تُشرف عليها الجهات المختصة، حتى يتمكّن من الانخراط في المشاركة الاجتماعية الفاعلة في إطار موجّه ومنظم يُراعي فيه المسؤولية.
أخيرًا، قد لا يبدو بمقدور الطفل الصغير أن يلعب دورًا فارقًا في تغيير العالم، لكن يُمكن للتنشئة الاجتماعية السليمة أن تبني إنسانًا قادرًا على إحداث أثر إيجابي في أسرته ومحيطه ومجتمعه، ويُمكن أن يُقدّم الأبوان نموذجًا للمشاركة الاجتماعية والمبادرات الإيجابية، يقتفي الأطفال أثرها ويسيرون على نهجهم وخطوات أبويهم فيها.
المصادر:
- مهدي، بيداء عبد السلام. (2019). الوعي الاجتماعي لدى أطفال رياض الأطفال. الجامعة المستنصرية. كلية التربية الأساسية.
- منصور، طلعت. (2014). مشاركة الأطفال . تمكين وحماية – تنمية واستدامة. المجلس العربي للطفولة والتنمية.